القاضي التنوخي
253
الفرج بعد الشدة
فقال يا أمير المؤمنين : إن قتلته وجدنا مثلك قد قتل مثله كثيرا ، وإن عفوت لم نجد مثلك عفى عن مثله فأيما أحب إليك أن تفعل فعلا تجد لك فيه شريك أو تنفرد بالفضل ؟ ! فأطرق المأمون مليا ثم رفع رأسه . فقال : أعد ما قلت يا أحمد ؟ فأعاد فقال بل منفرد بالفضل ولا رأى لنا في الشركة فكشف إبراهيم المقنعة عن رأسه وكبر تكبيرة عالية وقال قد عفى والله أمير المؤمنين بصوت كاد الإيوان أن يتزعزع ، وكان إبراهيم طويلا ادم جعد الشعر جهير الصوت فقال له المأمون : لا بأس عليك يا عم وأمر بحبسه في دار أحمد بن أبي خالد فلما كان بعد شهر أحضره المأمون فقال اعتذر من ذنبك . فقال يا أمير المؤمنين ذنبي أجل من أن أتفوه فيه بعذر ، وعفو أمير المؤمنين أعظم من أن أنطق بشكر ولكني أقول : تفديك نفسي أن تضيق بصالح * والعفو منك بفضل خلق واسع إن الذي خلق المحارم حازها * في صلب آدم للامام السابع ملئت قلوب الناس منك مهابة * وتظل تكلؤهم بقلب خاشع فعفوت عمن لم يكن عن مثله * عفو ولم أشفع إليك بشافع ورحمت أطفالا كأفراخ القطا * وحنين والدة يقلب جازع فقال المأمون : لا تثريب عليك يا عماه قد عفوت عنك فاستأنف الطاعة ورد ماله وضياعه فقال إبراهيم يشكره رددت مالي ولم تبخل على به * وقبل ردك مالي قد حقنت دمى أمنت منك وقد خولتني نعما * نعم الحياتان من موت ومن عدمي فلو بذلت دمى أبغى رضاك به * والمال حتى اسل النعل عن قدمي ما كان ذاك سوى عارية رجعت * إليك لو لم تعرها كنت لم تلم وقام علمك بي فاحتج عندك لي * مقام شاهد عدل غير متهم فقال المأمون : إن من الكلام كلاما كالدر وهذا منه . وأمر له بخلع ومال قيل إنه ألف ألف درهم . وقال له إن أبا إسحاق وولدي أشارا بقتلك . فقال إبراهيم فما قلت لهما يا أمير المؤمنين ؟ قال قلت لهما إن قرابته قوية ورحمه ماسة وقد ابتدأنا بأمر فينبغي أن نستتمه فان نكث فالله مغير ما به . قال إبراهيم :